فخر الدين الرازي
437
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
وكل واحد من الطهر ومن الحيض يسمى بهذا الاسم ، فوجب أن تخرج المرأة عن العهدة بأيهما كان على سبيل التخيير ، إلا أنا بينا أن مدة العدة بالأطهار أقل من مدة العدة بالحيض ، فعلى هذا تكون المرأة مخيرة بين أن تعتد بالمدة الناقصة أو بالمدة الزائدة ، وإذا كان كذلك كانت متمكنة من أن تترك القدر الزائد لا إلى بدل ، / وكل ما كان كذلك لم يكن واجبا فإذن الاعتداد بالقدر الزائد على مدة الأطهار غير واجب وذلك يقتضي أن لا يكون الاعتداد بمدة الحيض واجبا وهو المطلوب ، حجة أبي حنيفة رضي اللّه عنه من وجوه الأول : أن الأقراء في اللغة وإن كانت مشتركة بين الأطهار والحيض إلا أن في الشرع غلب استعمالها في الحيض ، لما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « دعي الصلاة أيام أقرائك » وإذا ثبت هذا كان صرف الأقراء المذكورة في القرآن إلى الحيض أولى . الحجة الثانية : أن القول بأن الأقراء حيض يمكن معه استيفاء ثلاثة أقراء بكمالها لأن هذا القائل يقول : إن المطلقة يلزمها تربص ثلاث حيض ، وإنما تخرج عن العهدة بزوال الحيضة الثالثة ومن قال : إنه طهر يجعلها خارجة من العدة بقرأين وبعض الثالث ، لأن عنده إذا طلقها في آخر الطهر تعتد بذلك قرءا فإذا كان في أحد القولين تكمل الأقراء الثلاثة دون القول الآخر كان القول الأول أليق بالظاهر ، أجاب الشافعي رضي اللّه عنه عن ذلك أن اللّه قال : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ [ الحج : 197 ] والأشهر جمع وأقله ثلاثة ، ثم إنا حملنا الآية على شهرين وبعض الثالث ، وذلك هو شوال ، وذو القعدة ، وبعض ذو الحجة ، فكذا هاهنا جاز أن تحمل هذه الثلاثة على طهرين وبعض طهر ، أجاب الجبائي من شيوخ المعتزلة عن هذا الجواب من وجهين الأول : أنا تركنا الظاهر في تلك الآية لدليل ، فلم يلزمنا أن نترك الظاهر هاهنا من غير دليل والثاني : أن في العدة تربصا متصلا ، فلا بد من استيفاء الثلاثة وليس كذلك أشهر الحج ، لأنه ليس فيها فعل متصل ، فكأنه قيل : هذه الأشهر وقت الحج لا على سبيل الاستغراق ، وأجاب المتأخرون من أصحابنا عن هذه الحجة من وجهين الأول : كما أن حمل الأقراء على الأطهار يوجب النقصان عن الثلاثة ، فحمله على الحيض يوجب الزيادة ، لأنه إذا طلقها في أثناء الطهر كان ما بقي من الطهر غير محسوب من العدة فتحصل الزيادة وعذرهم عنه أن هذه لا بد من تحملها لأجل الضرورة ، لأنه لو جاز الطلاق في الحيض لأمرناه بالطلاق في آخر الحيض حتى تعتد بأطهار كاملة ، وإذا اختص الطلاق بالطاهر صارت تلك الزيادة متحملة للضرورة ، فنحن أيضا نقول : لما صارت الأقراء مفسرة بالأطهار ، واللّه تعالى أمرنا بالطلاق في الطهر ، صار تقدير الآية يتربصن بأنفسهن ثلاثة أطهار طهر الطلاق فيه . والوجه الثاني : في الجواب أنا بينا أن القرء اسم للاجتماع وكمال الاجتماع إنما يحصل في آخر الطهر قرءا تاما ، وعلى هذا التقدير لم يلزم دخول النقصان في شيء من القرء . الحجة الثالثة : لهم : أنه تعالى نقل إلى الشهور عند عدم الحيض فقال : وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ [ الطلاق : 4 ] فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار وأيضا لما كان الأشهر شرعت بدلا عن الأقراء والبدل يعتبر بتمامها ، فإن الأشهر لا بد من إتمامها وجب أيضا أن يكون الكمال معتبرا في المبدل ، فلا بد وأن تكون الأقراء الكاملة هي الحيض ، / أما الأطهار فالواجب فيها قرءان وبعض . الحجة الرابعة : لهم : قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « طلاق الأمة تطليقتان ، وعدتها حيضتان » وأجمعوا على أن عدة الأمة نصف عدة الحرة ، فوجب أن تكون عدة الحرة هي الحيض .